الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

50

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فحذرني مثل ما حذرتك ( 1 ) ، ( حتى أكون مما وفى بحق الوصية وحب الخير ) . هذا يدل على أن نوحا ( عليه السلام ) كان مستمرا في دعوته الإلهية طوال عمره الشريف ولعدة أجيال وكان لا يعرف التعب أبدا . وكذلك تتضمن الآية الإشارة إلى أحد الأسباب المهمة لتعاستهم وهو الغرور والتكبر ، لأنهم كانوا يرون أنفسهم أكبر من أن يتنازلوا لإنسان مثلهم ، وإن كان ممثلا عن الله وتقيا ، ومهما كان قلبه عامرا بالعلم ، فكان هذا الغرور والكبر أحد الموانع المهمة والدائمة في طريق الحق ، ونحن نشاهد النتائج المشؤومة لذلك على طول التاريخ في حياة أناس لا إيمان لهم . واستمر نوح ( عليه السلام ) في حديثه عند المقام الإلهي ، فيقول : ثم إني دعوتهم جهارا . دعوتهم إلى الإيمان في حلقات عامة وبصوت جهور ، ثم لم أكتفي بهذا : ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا قال بعض المفسرين : إن نوحا ( عليه السلام ) اتبع في دعوته ثلاثة أساليب مختلفة حتى يستطيع من النفوذ في هذا الجمع المعاند والمتكبر : كان يدعو أحيانا في الخفاء فواجه أربعة أنواع من الرفض ( وضع الأصابع في الآذان ، تغطية الوجوه بالملابس ، الإصرار على الكفر ، والاستكبار ) . وكان يدعو أحيانا بالإعلان ، وأحيانا أخرى يستفيد من طريق التعليم العلني والسري ولكن أيا من هذه الأمور لم يكن مؤثرا ( 2 ) . من المعلوم أن الإنسان إذا ما نهج طريق الباطل إلى حد تتعمق في وجوده جذور الفساد وتنفذ في أعماق وجوده حتى تتحول إلى طبيعة ثانية فيه ، فإنه سوف لا تؤثر فيه دعوة الصالحين ولا ينفع معه خطابات رسل الله . * * *

--> 1 - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 361 . 2 - تفسير الفخر الرازي ، ج 30 ، ص 136 .